المسؤول الخوّاف
أكثر ما يكرهه الموظفون في أي مكان هو أن يكون لديهم مسؤول يخاف من المسؤول الأعلى منه .. فمن يرزق بمثل هذا المسؤول تنتقل إليه العدوى مباشرة كونه سيحاول أن يفرض على موظفيه نفس الطريقة التي يفرضها عليه مسؤوله المباشر ..
من المضحك أن لا يستطيع مدير اتخاذ قرار دون الرجوع إلى المدير العام .. ومن المضحك أن لا يقرر مدير عام في أمر مهما صغر دون الرجوع إلى وكيل وزارته .. وهكذا دواليك..
صادف أن طلبت من مدير دائرة إلقاء كلمة حول سير العمل في دائرته فوافق على الفور شريطة أن يأخذ الإذن من الوزير مباشرة وكان له ما أراد حيث عاود الاتصال بعد ربع ساعة ليبشرني بأنه حصل على الموافقة أو بعبارة ليحزنني أنه غير قادر على فعل شي دون الرجوع إلى منهم أعلى منه..
عندما لا يكون لرئيس القسم أو للمدير أو للمدير العام أو أيا كان صاحب المنصب شخصيته في اتخاذ القرارات وتسيير أعمال قسمه او دائرته أو مديريته دون أخذ الإذن والموافقة والقبول والمباركة فما ضرورة أن يقود موظفيه..
كل ما يفعله هؤلاء أنهم يزرعون عدم الثقة في المسؤولين الأدنى منهم ؛ وكل ما يفعلونه أنهم ينغمسون أكثر في الخنوع وتقديس مسؤولهم المباشر وكأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..
مواقف كثيرة حضرتها وشهدت عليها خلاصتها أن كل مسؤول يخشى مسؤوله الأعلى .. وكل واحد من هؤلاء يعتبر الرأي الصادر عن مسؤوله وكأنه الرأي الذي لا يناقش ولا يعصى.. وأكثر ما يثير الضحك أن يعطي رئيس القسم أو المدير أو المدير العام الأمر وحين يسأل لماذا ؟؟ يأتي الرد صاعقا "هذه تعليمات من فوق؟؟" .. وكأن "اللي فوق" ملائكة منزهين والعياذ بالله..
هذه ليست دعوة للتمرد أو عصيان المسؤول ولكن لكل رأي موضع للصواب وآخر للخطأ وليس كل ما يقوله أو يعتقد هذا المسؤول أو ذاك هو الصواب في كل الأحوال .. فيحدث أن يكون رأي موظف بسيط أفضل للعمل من رأي مسؤول كبير .. ويحدث أن يكون قرار مسؤول كارثيا على العمل ومن يقوم به .. ويحدث أن يرجح مسؤول قرار يكون في النهاية وبالا على العمل والعمال .. ويحدث أن يثير قرار لحل مشكلة مشاكل أكبر .. لماذا يحدث ذلك ؟؟ ببساطة يحدث لأن المسؤول يعتقد أنه هو الصواب وكل ما عداه مخطئ .. ولأنه يعتقد أن قوله هو المنزه من الخطأ وكل قول غيره لا قيمة له.. ولأنه يستصغر رأي موظفه .. ويحدث لأن الكثير من هؤلاء المسؤولين غير مؤهلين للإدارة ؛ ولأنهم لا يفقهون في طريقة إدراة العمل بالشكل الصحيح.. الكثير منهم يتولونها لأنهم الأكثر خنوعا للمسؤول الأكبر وأكثرهم قولا "إن شاء طال عمرك" ..
أسوق هذه المقدمة للحديث الأهم في هذه السطور..
كثر الحديث في الآونة الأخيرة التكهنات والأقاويل حول من سيكون رئيسا للهيئة العامة.. هذا يقول فلان.. وذاك فلان آخر .. وذاك فلانة .. وتلك فلان .. وهكذا .. ولكل واحد منهم أسباب ترجيحه لهذا الاسم أو ذاك.. ومع كثرة التكهنات يزداد عدد الرؤساء المرشحون.. وحتى ظهور الرئيس المنتظر سوف يحلم الحالمون وتكثر الأقاويل والتكنهات..
ما يهم الآن أن يكون أي رئيس مقبل ومن سيحظى بالمباركة أتمنى من كل قلبي أن يكون صاحب شخصية قيادية قادر على اتخاذ قرار مهما كان صعبا دون الخوف أو الارتعاب من مسؤول أكبر منه .. ودون أن يخشى إبداء رأيه ووجهة نظره .. ودون أن يتستر على الصعوبات التي تواجه العمل .. ودون أن يتردد في المطالبة بكل ما يفيد ويعزز العمل .. ودون أن يغلق بابه في وجه من يخلص في عمله أو يسعى للتطوير أو يحرص على الحفاظ على المكتسبات..
هذا ما أتمناه كموظف تعب من حكاية المسؤول "الخواف".
تعليقات
إرسال تعليق