فورمـــــــــــــــــــــات
فورمــات
قصـــة / عادل الحمداني ..
الإضاءة القوية من حوله جعلت عينيه تنكمشان حين فتحهما .. كانت الصورة ضبابية ؛ حتى وهو ممدد على جانبه الأيسر كانت الأرض تدور ؛ بل تتأرجح يمينا وشمالا .. لم يكن مضطرا للقيام بهذه المغامرة التي تعني أنه قد يخسر الكثير وربما يخسر روحه . ولم يكن مضطرا لإجراء هذه العملية المعقدة لولا تعطل العمل المتكرر في دماغه والتوقف المستمر لتفكيره ؛ وهي الحالة التي سببت له الكثير من الإحراج ..
أن يتوجه المرء إلى عمله فيجد نفسه وقد قطع خمسمائة كيلومتر في طريقه إلى لا مكان . وأن يتوقف لساعات في الطريق لأنه نسي من هو وإلى أين يريد الذهاب .. أن ينسى المرء فجأة الشخص الذي أمامه . أن يقبل أمه من فمها معتقدا أنها زوجته . أن يدخل بيتا غير بيته وينام في غرفة غير غرفته . أن يتوقف فجأة في الطريق بسيارته ويفقد أي إحساس بالمكان والزمان . وغيرها الكثير سببت له العديد من المشاكل وصعبت من قدرته في الحياة بشكل طبيعي .. في نهاية المطاف قرر خوض غمار المخاطرة . فليس من سبيل آخر أمامه..
"لابد من إجراء مسح للبيانات غير الضرورية في دماغك " .. ارتسمت الصدمة على وجه ناصر حين قال له الطبيب ذلك ..
" ماذا يعني ذلك دكتور ؟ ".
" يعني باختصار عمل فورمات جزئي .. هذا أقرب شرح تستطيع إدراكه"
" لا يوجد فورمات جزئي يا دكتور "
ابتسم الطبيب وهو يقول " سترى بنفسك قدرتي على القيام بذلك "
استمر الجدل طويلا بينهما لكنه أخيرا وافق لكي يرتاح من عطب دماغه . ليرى بنفسه كيف يكون هذا الأمر .
********.
حين فتح عينيه وحين تلاشت الصورة الضبابية وتوقفت الأرض عن التأرجح حدق في تلك التي أمامه . " يا لهذا الحسن الذي أرى " هكذا ردد في داخله .. " يفتح المرء عينيه ليرى ما لا يسره وأنا أرى .... " .. توقف عن الحديث مع نفسه .. " من تكون هذه؟ " ؛ سؤال تردد في طرحه علنا ..
بدت غير مصدقة أنه لا يتذكرها . " أنا زوجتك .. أم أطفالك " .. لا يتذكر حتى إسمها إن كانت حقا زوجته . ألهذا الحد كان مسح البيانات من دماغه . قال له الطبيب أنه سيزيل ما هو غير ضروري . ما لا يحتاج له . لكنه كيف يستطيع معرفة ما لا يريده ؟ هل يعقل أنه لم ينتبه للأمر وأزال بيانات زوجته ؟ أم أن زوجته كانت ضمن البيانات التي تركها في خانة القابل للمسح ؟؟ هل يحبها ؟ هل بالفعل هي زوجته ؟ .. من يدري..
" اسمي زينب " . أنقذته من جهد التذكر ومن إحراج السؤال .... " قال الطبيب أنك لن تتذكر حتى الأشياء التي لا تزال في ذاكرتك . وقال أنه أمر طبيعي خلال الساعات الخمس التي تلي عملية المسح ".
" أهاااااا ".. وفي نفسه تساءل لماذا لم ينسى الطبيب تحديدا .
أخبرته من تقول أنها زوجته عن أشياء كثيرة تتعلق به . عن أمه . أطفاله . أقاربه ؛ وأشياء أخرى لم يعد يتذكر منها شيئا ..
قالت " الأشياء ستعود تدريجيا إلى أماكنها الصحيحة ".. لكنه لم يفهم ما تقصد ؛ ربما كانت رسالة أو تلميحا لأمر ما .. ما الذي يمنع أن تعود الأشياء تدريجيا إلى أماكنها الصحيحة . " لا شيء طبعا ".. هكذا ردد دون أن يدرك مرة أخرى ما يعني ذلك..
رأى أن الساعات الخمس لن تمر أبدا ؛ لكنها مرت ولم تعد الأشياء بعد إلى أماكنها الصحيحة . على الأقل لم يعد أغلبها . إنه لا يتذكرها ؛ لا يتذكر أمه ؛ ومن قالت أنهم أطفاله ؛ ولا أقاربه . بل لم يتذكر سوى أن اسمه ناصر . هل كان يحب ناصر ؟؟ .. لم يجد سببا لتذكره الطبيب دونا عن سواه..
" أشعر بالقلق يا دكتور "
" وأنا كذلك "
" ماذا يعني ذلك ؟؟ "
" أنت تتذكر سبب إجراء هذه العملية . وتتذكرني ولا شيء آخر "
" أعرف أنك أردت مسح بعض البيانات غير الضرورية من دماغي لأنها سببت لي الكثير من المتاعب . وأتذكر أنك قلت أن دماغي مصابة بلوثة وأنه بحاجة لعملية تنظيف ضرورية ".
" ناصر .. يبدو أن خطأ طبيا قد حدث "
" نعم !! " صرخ ناصر واستوى جالسا بحركة عنيفة أفقدته جزءا من توازنه ..
" لكني أحتاج للتأكد قبل كل شي "
" تتأكد من ماذا ؟؟ .. تقول أنك وقعت في خطأ طبي .. وأين ؟ في دماغي .. هل تعرف ماذا يعني مسح بيانات دماغي ؟؟ لا يعني بيانات معارفي بل مسح كل ما تعلمته وسنوات خبرتي فيما كنت أعمل .. و و و و ".
" أدرك ذلك يا ناصر . فلنتفاءل قليلا "
" قليلا !! " .. ضحك ناصر قليلا على هذه الكلمة لكنه عاد للضحك كثيرا حين تذكر أن الأشياء لا تعود دائما إلى أماكنها الصحيحة..
قصـــة / عادل الحمداني ..
الإضاءة القوية من حوله جعلت عينيه تنكمشان حين فتحهما .. كانت الصورة ضبابية ؛ حتى وهو ممدد على جانبه الأيسر كانت الأرض تدور ؛ بل تتأرجح يمينا وشمالا .. لم يكن مضطرا للقيام بهذه المغامرة التي تعني أنه قد يخسر الكثير وربما يخسر روحه . ولم يكن مضطرا لإجراء هذه العملية المعقدة لولا تعطل العمل المتكرر في دماغه والتوقف المستمر لتفكيره ؛ وهي الحالة التي سببت له الكثير من الإحراج ..
أن يتوجه المرء إلى عمله فيجد نفسه وقد قطع خمسمائة كيلومتر في طريقه إلى لا مكان . وأن يتوقف لساعات في الطريق لأنه نسي من هو وإلى أين يريد الذهاب .. أن ينسى المرء فجأة الشخص الذي أمامه . أن يقبل أمه من فمها معتقدا أنها زوجته . أن يدخل بيتا غير بيته وينام في غرفة غير غرفته . أن يتوقف فجأة في الطريق بسيارته ويفقد أي إحساس بالمكان والزمان . وغيرها الكثير سببت له العديد من المشاكل وصعبت من قدرته في الحياة بشكل طبيعي .. في نهاية المطاف قرر خوض غمار المخاطرة . فليس من سبيل آخر أمامه..
"لابد من إجراء مسح للبيانات غير الضرورية في دماغك " .. ارتسمت الصدمة على وجه ناصر حين قال له الطبيب ذلك ..
" ماذا يعني ذلك دكتور ؟ ".
" يعني باختصار عمل فورمات جزئي .. هذا أقرب شرح تستطيع إدراكه"
" لا يوجد فورمات جزئي يا دكتور "
ابتسم الطبيب وهو يقول " سترى بنفسك قدرتي على القيام بذلك "
استمر الجدل طويلا بينهما لكنه أخيرا وافق لكي يرتاح من عطب دماغه . ليرى بنفسه كيف يكون هذا الأمر .
********.
حين فتح عينيه وحين تلاشت الصورة الضبابية وتوقفت الأرض عن التأرجح حدق في تلك التي أمامه . " يا لهذا الحسن الذي أرى " هكذا ردد في داخله .. " يفتح المرء عينيه ليرى ما لا يسره وأنا أرى .... " .. توقف عن الحديث مع نفسه .. " من تكون هذه؟ " ؛ سؤال تردد في طرحه علنا ..
بدت غير مصدقة أنه لا يتذكرها . " أنا زوجتك .. أم أطفالك " .. لا يتذكر حتى إسمها إن كانت حقا زوجته . ألهذا الحد كان مسح البيانات من دماغه . قال له الطبيب أنه سيزيل ما هو غير ضروري . ما لا يحتاج له . لكنه كيف يستطيع معرفة ما لا يريده ؟ هل يعقل أنه لم ينتبه للأمر وأزال بيانات زوجته ؟ أم أن زوجته كانت ضمن البيانات التي تركها في خانة القابل للمسح ؟؟ هل يحبها ؟ هل بالفعل هي زوجته ؟ .. من يدري..
" اسمي زينب " . أنقذته من جهد التذكر ومن إحراج السؤال .... " قال الطبيب أنك لن تتذكر حتى الأشياء التي لا تزال في ذاكرتك . وقال أنه أمر طبيعي خلال الساعات الخمس التي تلي عملية المسح ".
" أهاااااا ".. وفي نفسه تساءل لماذا لم ينسى الطبيب تحديدا .
أخبرته من تقول أنها زوجته عن أشياء كثيرة تتعلق به . عن أمه . أطفاله . أقاربه ؛ وأشياء أخرى لم يعد يتذكر منها شيئا ..
قالت " الأشياء ستعود تدريجيا إلى أماكنها الصحيحة ".. لكنه لم يفهم ما تقصد ؛ ربما كانت رسالة أو تلميحا لأمر ما .. ما الذي يمنع أن تعود الأشياء تدريجيا إلى أماكنها الصحيحة . " لا شيء طبعا ".. هكذا ردد دون أن يدرك مرة أخرى ما يعني ذلك..
رأى أن الساعات الخمس لن تمر أبدا ؛ لكنها مرت ولم تعد الأشياء بعد إلى أماكنها الصحيحة . على الأقل لم يعد أغلبها . إنه لا يتذكرها ؛ لا يتذكر أمه ؛ ومن قالت أنهم أطفاله ؛ ولا أقاربه . بل لم يتذكر سوى أن اسمه ناصر . هل كان يحب ناصر ؟؟ .. لم يجد سببا لتذكره الطبيب دونا عن سواه..
" أشعر بالقلق يا دكتور "
" وأنا كذلك "
" ماذا يعني ذلك ؟؟ "
" أنت تتذكر سبب إجراء هذه العملية . وتتذكرني ولا شيء آخر "
" أعرف أنك أردت مسح بعض البيانات غير الضرورية من دماغي لأنها سببت لي الكثير من المتاعب . وأتذكر أنك قلت أن دماغي مصابة بلوثة وأنه بحاجة لعملية تنظيف ضرورية ".
" ناصر .. يبدو أن خطأ طبيا قد حدث "
" نعم !! " صرخ ناصر واستوى جالسا بحركة عنيفة أفقدته جزءا من توازنه ..
" لكني أحتاج للتأكد قبل كل شي "
" تتأكد من ماذا ؟؟ .. تقول أنك وقعت في خطأ طبي .. وأين ؟ في دماغي .. هل تعرف ماذا يعني مسح بيانات دماغي ؟؟ لا يعني بيانات معارفي بل مسح كل ما تعلمته وسنوات خبرتي فيما كنت أعمل .. و و و و ".
" أدرك ذلك يا ناصر . فلنتفاءل قليلا "
" قليلا !! " .. ضحك ناصر قليلا على هذه الكلمة لكنه عاد للضحك كثيرا حين تذكر أن الأشياء لا تعود دائما إلى أماكنها الصحيحة..
تعليقات
إرسال تعليق