مشيخة المال .. ما مضى ..
هذه السكة المتعرجة الواصلة ما بين بيت مسعود ونخيله مرت بها وجوه متسخة بطمي بلله العرق .. وجوه ارتدى أصحابها قطع ملابس تكاد تخلو من بقعة نظيفة فيما القدمين حافيتين لا تستشعر حرارة الأرض أو حدة الحصى المتناثر في كل مكان.. لم تكن هذه السكة الوحيدة التي شهدت ما حدث في تلك السنين العجاف في عهد حكمته مشيخة المال وجبروت قساة الزمن .. ذلك العهد الذي مضى لم يكن أناسه يملكون أكثر من الاستسلام لقدرهم الذي سيق لهم عنوة .. الحال واهن .. والقدرة لا تساوي شيء .. ما حدث قبل سبعين .. بل قبل قبل سبعين تلك أكثر من مجرد رواية يرويها راو أو صورة يلتقطها مصور أو ذكرى تمر في خاطر "خصّاف" وهو على فراش الموت .. أو ما سيصبح فراش الموت ذات يوم.. قبل تلك الفترة التي عاشها في الكويت وغيره في البحرين لم تكن عمان تعني ما كانت عليه في فترات حكم أهلها مستعمرات في الشرق والغرب ؛ هي في المنظور الحالي احتلال قد يكون غاشما .. لم تكن سطوة القوة وإمبراطورية المجد التي بنيت بدماء أولئك الذين ارتسمت على وجوههم نظارة الشباب وعنفوانه.. كانت أدنى مما كانت عليه وأدنى مما كان عليه من حكمتهم..
"خصّاف" في الحقيقة مات قبل عشر سنوات بعد أن طحنته سنين المجد المنشود والعودة الظافرة إلى أرض الوطن.. مات وعينه على أطفاله .. مات "خصّاف" عندما لم يجد من يقف إلى جانبه وهو العائد من الكويت ليحمل شعلة من مشاعل الوطن.. مات بعد أن أدرك أن الوطن بيع قبل أن يبنى .. وأن الوطن فاز بها مشائخ المال وسادة الوطن الأوائل.. أدرك أنه عاد لينسف حلما كان له هناك وأنه عاد ليقضي على أمله الوحيد فيما ماضي بأن يبني لأطفاله وطنا يليق بما عاناه هو .. ووالده من قبل..
تلك السكة التي لو قدر لها أن تنطق لحكت جبروة صاحب ذلك البيت في طرف الطريق الآخر .. "مسعود" .. في تلك الأزقة المقابلة كانت ترعى النعاج أصحابها .. كانت تجد العناية والاهتمام والتقدير والمأكل والمشرب والراحة فيما أصحابها لا يجدون غير العناء وراحة البال ؛ لذلك يمكن أن تكون هي من ترى أصحابها .. لا العكس..
والد "مسعود" عرف كيف يبني وطنا ل"مسعود" وذريته من بعده .. عرف أن المال هو المستقبل وان ضربة واحدة سليمة يمكن أن تصنع الفرق فيما بعد.. ضربة واحد فقط هو ما حصل عليه والد "مسعود" رفعته من معدم ترعاه النعاج إلى صاحب أصحاب النعاج.. بماله وحده صنع مشيخته .. وبماله فاز أبناءه بالمشيخه.. لم يكن بحاجة الى انتظار السبعين أن تأتي ليحلم بالوطن العائد كان حلمه قبل تحقق قبل أن تأتي سبعين .. صار شيخا .. ومن جاء شيخا بعد السبعين فاز بالوطن العائد..
الفرق بين "خصّاف" و "مسعود" أن الأول لم يكن شيخا .. أو بالتعبير الأصح لم يكن والده شيخا قبل سبعين .. لكن مسعود كان .. أو بالتعبير الأصح كان والده كذلك..
لو كان "خصّاف" حيا .. بالمعنى المجازي لتمنى ألا يعود إلى الوطن العائد .. ولتمنى أن يبقى حيث كان .. مواطنا كان أو لاجئا .. فليس أصعب على الإنسان أن يكون غريبا في وطنه .. وليس أهون على الإنسان أن يكون مواطنا في غربته..
"خصّاف" لم يمت طالما بقيت له ذرية .. لكن كيف يكون لذريته وطنا ؟؟ هذا هو السؤال الذي يدور في ذهن الابن الأكبر ل"خصّاف" في هذه اللحظة تحديدا..
"خصّاف" في الحقيقة مات قبل عشر سنوات بعد أن طحنته سنين المجد المنشود والعودة الظافرة إلى أرض الوطن.. مات وعينه على أطفاله .. مات "خصّاف" عندما لم يجد من يقف إلى جانبه وهو العائد من الكويت ليحمل شعلة من مشاعل الوطن.. مات بعد أن أدرك أن الوطن بيع قبل أن يبنى .. وأن الوطن فاز بها مشائخ المال وسادة الوطن الأوائل.. أدرك أنه عاد لينسف حلما كان له هناك وأنه عاد ليقضي على أمله الوحيد فيما ماضي بأن يبني لأطفاله وطنا يليق بما عاناه هو .. ووالده من قبل..
تلك السكة التي لو قدر لها أن تنطق لحكت جبروة صاحب ذلك البيت في طرف الطريق الآخر .. "مسعود" .. في تلك الأزقة المقابلة كانت ترعى النعاج أصحابها .. كانت تجد العناية والاهتمام والتقدير والمأكل والمشرب والراحة فيما أصحابها لا يجدون غير العناء وراحة البال ؛ لذلك يمكن أن تكون هي من ترى أصحابها .. لا العكس..
والد "مسعود" عرف كيف يبني وطنا ل"مسعود" وذريته من بعده .. عرف أن المال هو المستقبل وان ضربة واحدة سليمة يمكن أن تصنع الفرق فيما بعد.. ضربة واحد فقط هو ما حصل عليه والد "مسعود" رفعته من معدم ترعاه النعاج إلى صاحب أصحاب النعاج.. بماله وحده صنع مشيخته .. وبماله فاز أبناءه بالمشيخه.. لم يكن بحاجة الى انتظار السبعين أن تأتي ليحلم بالوطن العائد كان حلمه قبل تحقق قبل أن تأتي سبعين .. صار شيخا .. ومن جاء شيخا بعد السبعين فاز بالوطن العائد..
الفرق بين "خصّاف" و "مسعود" أن الأول لم يكن شيخا .. أو بالتعبير الأصح لم يكن والده شيخا قبل سبعين .. لكن مسعود كان .. أو بالتعبير الأصح كان والده كذلك..
لو كان "خصّاف" حيا .. بالمعنى المجازي لتمنى ألا يعود إلى الوطن العائد .. ولتمنى أن يبقى حيث كان .. مواطنا كان أو لاجئا .. فليس أصعب على الإنسان أن يكون غريبا في وطنه .. وليس أهون على الإنسان أن يكون مواطنا في غربته..
"خصّاف" لم يمت طالما بقيت له ذرية .. لكن كيف يكون لذريته وطنا ؟؟ هذا هو السؤال الذي يدور في ذهن الابن الأكبر ل"خصّاف" في هذه اللحظة تحديدا..
تعليقات
إرسال تعليق