خالفتني شرطية ..

خالفتني شرطية !!

بقلم / عادل بن سالم الحمدانــي

أقر بأن ما حدث لي كان عقابا على فعل سابق وليس عقابا على فعل آني ؛؛ فذات صباح من صباحات العاصمة المزدحمة بحركة المرور القاتلة ؛ استوقفتني دورية شرطة نسائية لتكون المرة الاولى التي يحصل لي فيها شرف الحصول على مخالفة سير من العنصر / الناعم / للشرطة ؛ او هكذا هيئ لي..

قبل ان أقص ما حدث لابد ان أقول أنني لم أتعود ان ادخل في جدال او نقاش او استعطاف مع رجل امن فان كنت مخطئا أقر بخطأي وآخذ عقابي راضيا قانعا ؛؛ وان لم أكن مخطئا آخذ عقابي أيضا ولكن دون ان أكون راضيا او قانعا..

المهم ..

الفعل السابق الذي كنت أقوم به بحماقة أنني كنت في بعض الأحيان ؛؛ واشدد على بعض الأحيان هذه ؛ حتى لا يأتي احد ويخالفني الآن ؛؛ كنت فيما مضى أتصفح الجريدة وأنا أقود السيارة ؛ ليس كل الجريدة بالطبع ؛ بل ما يشد انتباهي فيها ؛ خاصة عندما يكون الشارع غير مزدحم بالمرور .. في تلك المرات القليلة والنادرة والتي لم أكررها منذ زمن طويل لا تتعدى قراءاتي لأسطر من خبر او مقال او تعليق على صورة ؛ وبعد كل مرة يصحو ضميري فيؤنبني كثيرا حتى أوشك ان اقسم له أنني لن أكررها من جديد...

ذلك كان فيما مضى .. ولكن ما الذي حدث في ذلك اليوم التاريخي !!..

الذي حدث ان الخطوط الثلاثة كانت مليئة بالسيارات والشاحنات وكانت سيارتي تسير وكأنها لا تسير ؛؛ واكثر ما اكرهه في حياتي ان امشي بمثل ذلك البطء .. كانت الحركة اقرب الى عدم الحركة ؛ اقرب الى الموت ؛ لم يكفني صوت الاذاعة يصدح ؛ كانت الى جانبي جريدة ؛ او بالاحرى بعض جريدة ؛ وكانت عيني على الشارع بتركيز منقطع النظير حتى لا يسرقني قائد مركبة ويدخل بسيارته امامي ؛؛ وانا في تلك اللحظة احوج ما اكون الى أي ثانية للخروج من ذلك الانتحار الصباحي .. رغم هذا او ذلك التركيز لم استطع ان اقاوم عادة قديمة ألحت علي بقوة وبعنف وطرقت باب دماغي المعروف ب"الناشف" ؛؛ لم استطع ان أقاوم صورة في الجريدة كانت ترقص رقصة مائعة ؛؛ رقصة استفزازية ؛؛ وما أكثر الرقصات المائعة والاستفزازية في تلك الأيام ؛؛ حاولت ان أقاوم الميوعة والاستفزاز لكنني فشلت .. وجاء فشلي في المقاومة متزامنا مع رؤيتي لدورية شرطة على جانب الطريق ؛؛ وبدون تردد أمسكت بالجريدة وألقيت نظرة على الصورة لثوان معدودة ؛؛ ورغم تلك الثواني القليلة جدا الا انها كانت كافية لعين الصقر التي تتمتع بها الشرطية ان تلمحني من المرآة الجانبية لسيارتها وانا على بعد سيارة منها ..

حين أعطتني ؛ زرقاء اليمامة ؛ أمرها الصارم بالتوقف وهي داخل مركبتها أدركت وقتها ان الجريدة زودتني بمعلومة ومخالفة في نفس الوقت .. على الفور ركنت سيارتي في انتظار اول شرطة تستوقفني في حياتي !!..

*************

انا في الأساس ليس لي مزاج لفعل أي شي غير الصمت لانني طوال عشر سنوات عمل ؛ لم أتعود ان أكون في ذلك الوقت في مركبتي متوجها الى أي مكان .. فطبيعة عملي لا تحتم علي ان أصحو مبكرا .. ولا ان أتوجه الى عملي مبكرا .. ولا ان أمارس أي شي في وقت مبكر .. لكنها مهمة عمل مؤقتة مدتها ثلاثة أشهر .. مرت كأنها ثلاث سنوات !!..

سألتني "أول شرطية تدخل ذاكرة حياتي" عن رخصة القيادة ورخصة المركبة ؛ وعلى الفور ناولتها ما طلبت ؛؛ فقالت : سأحرر لك مخالفة..

هكذا..

لماذا ؟.. سألتها...... فقالت : لأنك كنت تقرأ جريدة !!.

قلت : لم اكن أقرا جريدة .. بل ألقيت نظرة سريعة على صورة في الجريدة .. وأشرت بإصبعي الى الصورة ( لا ادري أي واحد من أصابعي كان ؛؛ لانني ببساطة كنت مشغول بالتطلع في الانثى التي تقف الى جوار سيارتي )..

على الفور قالت : حتى هذه تعد مخالفة .. قلت لها : اذا كان الأمر كذلك فانا اعترف إنني "شفت الصورة .. وراض بالمخالفة".. ( لا تنسوا ان الشارع كان في حالة احتضار )..

ذهبت "أول شرطية تدخل ذاكرة سيارتي" ثم عادت بدفتر المخالفات وناولتني رخصتي القيادة والمركبة ؛ وطلبت مني التوقيع على المخالفة .. ومن فرحتي بهذه المخالفة التاريخية ؛ أخذت الدفتر وهممت بالتوقيع قبل ان أتوقف عن فعل ذلك ؛ حين قرأت سبب المخالفة وكان .. "القراءة أثناء القيادة" "جريدة".. ووضعت كلمة جريدة بين قوسين مميزين جميلين .. هنا تراجعت وقلت ل"اول شرطية تدخل ذاكرة مقالاتي" إنني لم ارتكب هذا الفعل ولكنني ارتكبت فعلا غيره .. قالت : كلاهما سيان .. فقلت : لا هناك فرق .. لكنها اصرت على انه لا يوجد فرق وأصررت انا على انه يوجد فرق ؛ لذلك كما تلاحظون فاننا اختلفنا ؛ وقد سبق لي ان قرأت كثيرا "ان الاختلاف لا يفسد للود قضية" مع ان هذا الاختلاف هو لب القضية..

رغم هذا الاختلاف قالت : وقع .. فقلت لها : غيري المخالفة وسأوقع ..

وعلى الفور وبكل ثقة بالنفس كتبت .. "رفض التوقيع" .. ويبدو ان ثقتها جاءت نتيجة لارتداءها للزي الرسمي لعناصر الامن ؛؛ والذي اقف احتراما له مهما اختلفت مع صاحبه .. بعد تلك العبارة "رفض التوقيع" ناولتني المخالفة ؛ وهمت بالانصراف لكنني استبقيتها ؛ ربما لتطول اللحظات التاريخية تلك .. وسألتها : اين يمكنني المراجعة في المخالفة .. فأخبرتني اين .. ثم انصرفت .. تحفها العناية الإلهية ونظراتي السعيدة بدورها الاجتماعي الكبير ..

ذلك كان الجزء الأهم من قصتي مع "أول شرطية تدخل ذاكرة تجاربي العجيبة في الحياة" !!..

*************

حين راجعت في المخالفة في المكان الذي أخبرتني به "اول شرطية أتحدث إليها مباشرة" ؛؛ كنت بحاجة الى مرور ساعة تقريبا حتى أجد المسؤول المباشر عن "اول شرطية تدخل ذاكرة مهمة العمل الرسمية" والذي أعطاني محاضرة في الممنوعات وفي "رفض التوقيع" تلك .. ساعتها اكتشفت ان الاكل ممنوع والشرب ممنوع ..... ومن كثر ما اخبرني سريعا عن الممنوعات أثناء القيادة خشيت ان يكون فرك الأذن أثناء القيادة ممنوع .. وان يكون النظر الى شخص يقف على جانب الطريق ممنوع .. وان يكون تفحص من في السيارات الأخرى ممنوع .. وهذه إحدى هواياتي الغريبة .. وان يكون رفع اليد للسلام أثناء القيادة ممنوع .. و .. و .. وان يكون الضحك على أي شي يخطر بالبال ممنوع .. وان .. وان .. وان ... كل ذلك مر سريعا وأنا استمع الى تأنيب المسؤول..

المسؤول جزاه الله خيرا ؛ لم يكتفي بتأنيبي باحترام بل طلب من مساعديه الاتصال ب"اول شرطية احمل اسمها في ورقة" لطلب الصفح عني !! .... الصفح عني ؟! ... نعم قالها بالعامية "سامحووووه .. سامحيه"!!.. على ماذا ؟! .. هكذا سألته .. لكن نظرته كانت كافية للإجابة .. في نظرته تلك عاتبني عتابا أبويا .. وكأنه يقول لي "بعدك ما تبت !!" او كأنه يقول لي "اريد أساعدك".... وكأنه لم يفهم أنني جئت فقط لتغير نوع المخالفة .. رغم انني أقسمت له أنني سأدفع المخالفة ايا كانت قيمتها .. فقط اريد عقابا على فعل قمت به ذلك الصباح .. وليس عقابا على فعل قمت به قبل أشهر..

يبدو انه لم يفهمني .. يبدو انه اعتقد أنني ضيعت وقتي من اجل إلغاء المخالفة .. لم يستوعب عبارتي التي كررتها عشر مرات تقريبا إنني على استعداد لدفع المخالفة شريطة ان تكتب بالطريقة التالية .. "النظر الى صورة اثناء القيادة" وليس "القراءة أثناء القيادة" المتبوعة بكلمة "جريدة" المطرزة بأنامل أنثوية..

المهم .. أتدرون ماذا حدث .. سأخبركم ..

المسؤول كان لديه ارتباط عاجل .. لذا ذهب ..

اما مساعده فذهب لتنفيذ الأمر والاتصال ب"اول شرطية يستجدونها لمسامحتي" .. وكنت اسمعه حيث يطلب عفوها عني .. هههههههههه .. كان يحدثها برقة الرجال حين يستجدون عطف امرأة لا سلطة لهم عليها ؛؛ كان يحدثها حديثا سهلا مكررا واضحا بالحرف كما طلب من مسؤوله ؛؛ كنت اسمعه ولا اراه ؛؛ كنت اتمنى لو كنت اراه ؛؛ فربما كنت سأرى دمعتين نزلت من عينيه ؛؛ اقول ربما .. من يدري ..

بعد اقل من دقيقتين عاد وعلى وجهه علامات الأسى .. لقد رفضت "اول شرطية ترفض مسامحتي" مسامحتي !!.. هههههههههههه..

اخبرتكم من قبل انني لم أتعود ان ادخل في جدال او نقاش او استعطاف مع رجل امن فان كنت مخطئا أقر بخطأي وآخذ عقابي راضيا قانعا ؛؛ وان لم أكن مخطئا آخذ عقابي أيضا ولكن دون ان أكون راضيا او قانعا..

اخبرتكم بذلك .. وبسبب ذلك ؛؛ أخذت الورقة .. المخالفة .. الذكرى .. وخرجت وانا غير راض ولا قانع بها..

كانت تلك المرة الاولى التي تحدث معي قصة كهذه ؛؛ القصة لم تنتهي بعد .. القصة لا تزال مفتوحة الى الآن .. القصة مفتوحة لسبب واحد .. ان المخالفة لم تسجل ضدي حتى كتابة وتعديل هذه السطور بعد مرور سنة على تحريرها..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

متى تكرم وزارة الإعلام موظفيها سنويا ؟؟..

"بدون" عنوان

لا تضحك عليها ..