جنيف .. وهيلدا .. والرفاق

هذا النص تم نشره في ملحق شرفات بجريدة عمان تحت عنوان "ايام في جنيف" .. وكنت قد اخترت له هذا العنوان ثم ارسلته بعنوان "جنيف التي اطربتني"..

******.

لا احد من دائرة معارفي المقربة كان يتصور أنني سوف اذهب في يوم من الأيام الى جنيف ؛؛ ليس لانني اقل شأنا منها او لأنني لا استحق الذهاب إليها ؛ بل لأنني لا املك المهر الذي تستحقه ؛ فراتبي بلا فائض ؛ وديوني تتزايد ؛ وأسرتي تحتاج للعيش الكريم أكثر من حاجتها لالتقاط الصور عند عشب اخضر او نهر جار او بحيرة حتى وان لم تكن اصطناعية ؛ والحياة تكاليفها باهظة ؛ والعلاوات التي تدخل رواتبنا ابطأ من سلحفاة تصعد جبل ؛ كما أننا نعمل في هيئات ومؤسسات لا تهتم كثيرا بتدريب وتأهيل وتطوير وصقل وتنمية ولا حتى ترفيه موظفيها ؛؛ لذا يطلق علينا ""المقبورون"" منذ اللحظة التي ندخل فيها وحتى نعثر على طوق نجاة ...... لكل ذلك وغيرها لم يكن احد يتصور أنني سأكون ذات يوم في جنيف وعلى مقربة من بحيرة ليمان التي يطلق عليها البعض بحيرة جنيف .. لكنني خيبت تصور الجميع وكنت هناك لعدة ليال..

من يراني ببدلتي الرسمية داخل اروقة منظمة التجارة العالمية في جنيف ربما كان سيعتقد انني /كيث روكويل/ مدير العلاقات والإعلام في المنظمة ؛ والذي يكتب بطريقة مدهشة لم ارى مثلها في حياتي ؛ ولا اعرف كيف أصفها في سطور ؛ كما لا اعتقد ان من سيراني سيظن اني النسخة الأقصر ل/باسكال لامي/ مدير عام المنظمة فالفرق شاسع بيننا في الطول والنحافة ؛ وفرق الألوان بين الشرق والغرب ؛ وفرق في النظرة الثعلبية لصالحه طبعا ؛ وقد بدا لي ذلك واضحا عندما وقفت خلفه في الصورة الجماعية مع رفاق الرحلة.. ومن يراني على البحيرة الشهيرة ربما سيعتقد انني مغوار الشرق القادم لالتقاط عشيقته الجديدة من هناك حيث كل شي يفتح النفس من المناظر الطبيعية الى المناظر البشرية .. ومن يراني في أسواق /مانور/ وفي المحلات التجارية الأخرى وأنا التقط الهدايا التذكارية ربما سيعتقد إنني احد أثرياء النفط ؛ رغم انني لم اشتري غير عدة ميداليات وتذكارات إضافة الى سبعة عشر علبة من الحلويات التي لا آكلها.. ومن يراني وانا استقل الباص او المترو او القطار ربما سيعتقد انني اعرف طريقة التنقل كأحد القاطنين في جنيف ؛؛ والواقع ان التنقل في جنيف اشرح للنفس من التنقل في لندن على سبيل المثال ؛؛ والحقيقة ان العيش في جنيف أسهل من العيش في أي مدينة أوروبية أخرى زرتها..

لو أتيحت لي الفرصة لشحنت نفسي وأسرتي الصغيرة على اول طائرة متجهة الى جنيف سواء للعمل فيها او لقضاء إجازة هناك ؛؛ لكنني اعلم أنها ربما تكون المرة الأولى والأخيرة التي ازور فيها جنيف ؛؛ وأنها ربما تكون المرة الأولى والأخيرة التي اقضي فيها ساعات على ممر البحيرة حتى الساعة الثانية عشر ليلا ؛؛ وأنها ربما تكون المرة الأولى والأخيرة التي ادفع فيها نصف علاوة السفر كإيجار لغرفة ليس بها جهاز تكييف او مزلاج لباب الحمام ؛؛ وأنها ربما تكون المرة الأولى والأخيرة التي أمارس فيها رياضة المشي لساعات دون ان اشعر بتوتر او تعب او ملل وانا الذي كنت استثقل المشي لأكثر من نصف ساعة في أجواء بلدي الحارة وحين يزيد الحماس ويتحسن الجو امشي ساعة ؛؛ وأخيرا ربما تكون المرة الأولى والأخيرة التي اكتب فيها عن جنيف.

في جنيف ؛؛ في ذلك الوقت منتصف الصيف العربي ؛؛ تبتلع البحيرة الشمس عند التاسعة والنصف مساءا ؛؛ وتتقيأ الجبال نفس تلك الشمس بعد الرابعة صباحا ؛؛ وبين الابتلاع والتقيؤ اختلى بنفسي بعيدا عن رفاق الرحلة ؛؛ فلقد كانت تلك فرصة لا تعوض كي أكون وحيدا كما أحب ان اكون في اغلب الأحيان .. من كان صاحب نية سيئة كانت تساؤلاته سيئة بشأن اصراري على السكن وحيدا فيما الآخرون اقتسموا الغرفة مع شخص اخر ؛؛ ومن كانت نيته أسوأ كانت تساؤلاته أكثر سوءا .. لكن من يعرفني جيدا ؛ يعرف انني اجتماعي بطبعي ؛؛ وأنني احصل على أصدقاء أسرع من حصولي على المال ؛؛ وانني حسن العشرة ؛؛ صاحب نكته ؛؛ وخفة دم ؛؛ ولذلك فان إصراري على السكن بمفردي ليس له علاقة بحالة انعزالية او انطوائية او ايا كانت تسميتها ؛؛ كل ما في الأمر ان لي طقوس معينة في النوم والاستيقاظ ؛؛ وفي ترتيب الغرفة ؛؛ وفي البقاء او الخروج ؛؛ وكل ما في الأمر أيضا أنني لا أريد ان افرض نظامي على احد ؛؛ وفي الوقت عينه لا أحبذ ان يفرض احد علىّ نظامه ؛؛ خاصة وأننا في غربة ؛؛ وجزء من أهداف الرحلة هو الاستمتاع والترفيه وتغيير الجو ؛؛ لكل ذلك وغيرها كنت وحيدا في غرفتي وفي تنزهي وفي تسوقي وفي ذهابي الى منظمة التجارة العالمية وعودتي منها ؛؛ لكنني كنت قريبا من رفاقي في العمل الجماعي وفي كل ما يتطلبه التوافق والإجماع..

في جنيف كل شي كان يذكرني بشي ؛؛ وبما ان كل الأشياء هناك تقريبا جميلة فإنني تذكرت كل الأشياء الجميلة في حياتي .. هناك ثلاثة أشخاص لم يفارقوا ذاكرتي وكنت أتوقد شوقا للقائهم ؛ ومن بين هؤلاء الثلاثة واحد تمنيت ان اراه في المطار عند العودة .. في جنيف بالفعل كل شي كان يذكرني بشي ؛؛ حتى تلك المرأة العمانية التي تعمل هناك واسمها /هيلدا/ كانت تذكرني بمسئولي المباشر في العمل /سيف/ فكلاهما يعمل بصمت ونشاط وحضور ذهني متوقد يحسدان عليه .. ربما لم تسنح لي الفرصة للتعرف عن كثب على عمل تلك المرأة ؛ لكن ان يكون امام تلك المرأة أكثر من ثمانية آلاف اجتماع في العام الواحد فذلك يعني انها أرسلت الى هناك لأنها قادرة على التوفيق بين المهم والاهم والأقل أهمية وعديم الأهمية ؛؛ وبالأكيد ما كانت لتستمر عشر سنوات لولا أنها نجحت ؛؛ ولولا أنها تستحق ان تكون هناك .. تقول /هيلدا/ أنها توزع المهام بينها وطاقم العمل الذي تديره ؛؛ لكنني متأسف انها تعمل بمفردها ؛؛ ففي يوم من الأيام سوف تعود الى دارها ؛؛ ومن سيحل مكانها سوف يبدأ من جديد ومن نقطة البداية تحديدا ؛؛ وسوف يبدأ في بناء علاقاته من نقطة الصفر ؛؛ وسوف يكون ك/هيلدا/ في أول يوم لها في جنيف ؛؛ وسوف لن يستفيد من شخصية وحضور ونجاح وتميز وبناء وتجارب /هيلدا/.. لا اريد ان أكون متشائما لكنني اود ان اقرع جرسا عسى ان يلتفت شخص ما لهذه المسألة ؛؛ وقد عبرت عن قلقي ل/هيلدا/ بخصوص ذلك .. وهذا أنا اعبر للجميع عن قلقي من جديد..

لم يكن لدى احد من رفاقي فكرة عن سبب وضع تمثال ضخم لكرسي مكسور في ساحة كبيرة يتوقف عندها قطار جنيف لرمي والتقاط ركابه ؛؛ لكننا عرفنا فيما بعد ان تلك الساحة تعرف بساحة الامم ؛؛ ولا ادري ان كانت ساحة الامم المتحدة ام ساحة الامم غير المتحدة ؛؛ لكني اعتقد انها سميت بساحة الامم فقط حتى تتسع للأمم المتحدة والأمم غير المتحدة على حد سواء دون تمييز ولا تفرقة ؛؛ وبعيدا عن حساسيات الاتحاد .. كانت علامات الدهشة بادية على الجميع عندما وقعت اعيننا على التمثال الضخم ولم يفتنا بالطبع التقاط الصور تحت القائم المكسور ؛؛ وللمفارقة فان كل الصور كانت بالفعل تحت القائم المكسور ومن ينظر الى بعض الصور يخال ان الشخص الواقف على الأرض هو القائم الساقط من الكرسي ؛؛ خاصة تلك الصور التي التقطت لرفيقنا المميز ؛ الباسم ؛ خفيف الدم ؛ الذي يعرفه الجميع ب(الشمج) لكثرة ما ينادي الآخرين بهذه الكلمة.. هنا أحب ان استعرض معلومات وجدتها في صورة التقطها احد الرفاق يبدو أنها وضعت كبطاقة تعريفية للكرسي المكسور .. تقول المعلومة ان التمثال نحت ونصب في الثامن عشر من شهر أغسطس عام سبعة وتسعين فيما تم إعادة نصب التمثال بعد عشر سنوات تقريبا في السادس والعشرين من فبراير ؛؛ وكما تشير البطاقة فان الهدف من النصب او التمثال او الكرسي هو دعوة كافة الدول الى توقيع اتفاقية حظر الألغام المضادة للإفراد واحترام التزاماتها بمساعدة الضحايا وإزالة الألغام..

أولى لحظات العيش في جنيف كانت عصيبة ؛؛ الجميع كان متوترا وعلى شفا الانهيار ؛؛ لان الرحلة بدأت عند الساعة الثامنة مساءا بتوقيت السلطنة وانتهت بعد الساعة التاسعة صباحا بتوقيت سويسرا ؛؛ وللبعض انتهت بعد ذلك بساعتين ؛؛ وكانت المفاجأة ان بعض الغرف لم تكن جاهزة بعد ؛؛ ما يعني الانتظار لساعات أخرى في بهو الفندق ؛؛ دون استحمام ولا صلاة ولا استرخاء ؛؛ اما انا فلم اكن في حال أفضل من باقي رفاقي ؛؛ وقد أنقذني احدهم بغرفته ؛؛ فله كل الشكر والتقدير..

انا متأكد ان هناك من يشاطرني الرأي ان للسفر عبر الجو متعة لا تضاهيها متعة أخرى ؛؛ وقد اكتشفت أنني استمتع كثيرا بالتنقل عبر المطارات ورؤية وجوه جديدة ؛؛ وهو ما حدث معي ومع الرفاق في رحلتنا من مسقط الى جنيف فرأينا الكثيرون في مطار دبي ؛؛ وآخرون في أمستردام ؛؛ لكننا للأسف لم نرى الا القليل منهم في جنيف لأننا تأخرنا في الخروج من قاعة المطار حيث كنا نبحث عن حقيبة احد الرفاق التي ضاعت على ما يبدو في احد مطاري نقطتي البداية والنهاية.. هذا كان طريق الذهاب اما طريق العودة فلم يكن مثيرا بقدر الإثارة في طريق الذهاب ؛؛ فقد كان مختلفا أيما اختلاف فلا تشويق ولا تلهف لما هو جديد فنحن ذاهبون او بالأحرى عائدون الى كل ما هو قديم ومعروف لنا من قبل ؛؛ الى جانب ذلك فان القلوب كانت في تلك اللحظات معلقة بجنيف وجمالها وسحرها ؛؛ وكانت القلوب في تلك اللحظات منقبضة ؛ حزينة على فراق جنيف بتلك السرعة..

بين الوصول والمغادرة مضت الأيام الجميلة سريعا ؛؛ كان كل يوم أجمل من سابقه ؛؛ وقد امتلأت أوعيتنا العقلية بكم وافر من المعلومات بعضها بقي والآخر تبخر بنسب متفاوتة بين مخ وآخر بحسب التقادم والمؤثرات الزمنية الأخرى ؛؛ لكنني اعتقد ان بعض تلك الأوعية لم يستوعب شيئا ؛؛ ويبدو أنها مليئة بالثقوب ؛؛ واعتقد ان بعضها غير مخصص لهذا النوع من المعلومات ؛؛ وبعضها لم يكن مهتما في الأساس بما جاء من اجله ؛؛ لكن الفكرة بقيت رائدة ؛؛ والهدف نبيل ؛؛ وإذا التقت الفكرة والهدف تكون النتيجة مميزة ؛؛ او هكذا يفترض.. نصيحتي فقط التي عبرت عنها في أكثر من مناسبة ان تكون المدة أطول وان يكون اختيار المستهدفين أكثر دقة .. والرزق على الرزاق.. وليس على "عبد الرزاق".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

متى تكرم وزارة الإعلام موظفيها سنويا ؟؟..

"بدون" عنوان

لا تضحك عليها ..