التافهون - عادل الحمداني
في مواقع التواصل الاجتماعي المنتشرة في أوساط
شريحة كبيرة من المجتمعات حول العالم بتنا نستشعر حجم الابتذال المتنامي في طريقة
تصرفات وتفكير الكثير من مستخدمي هذه المواقع أو فلنقل المشاركين بموادهم المصورة
والمكتوبة؛ فصار الأمر مقززا ومنفرا من الاستمرار في متابعة الكثير من الحسابات
والمواقع.
المؤسف بدرجة أكبر ليس فقط تزايد أعداد
"المُقززين" – بكسر الزاء - في مواقع كانت حتى وقت قريب تنتهج سياسة
صارمة فيما يتعلق بجودة المحتوى، بل أن هذه الفئة – أعني فئة المقززين – تجد تساهلا
في تقديم محتوياتها التافهة وفي أحيان كثيرة تشجيعا على اعتبار أن ما يقدمونه
يندرج تحت بند الحرية الشخصية فصرنا غير محصنين من التأثر المباشر وغير المباشر
بالرسائل التي نتلاقها من هنا وهناك.
حين نتحدث أو نكتب عن ضرورة التصدي لهذه الموجة
من المؤثرات السلبية على مجتمعاتنا بكل طوائفه وبمختلف قوة مناعاته، لا يعني
بالضرورة المطالبة بالقمع بقدر ما هي رغبة حقيقية في وضع ضوابط تحمي القيم وتحافظ
على ما تبقى من أخلاق. إذا لم يحدث ذلك فإن الخاسر الأكبر ليس فقط الفرد بل
المجتمع ككل وبالتالي المؤسسة في المجمل بشكل أو بآخر. من هنا تنبع أهمية وجود
تشريعات واضحة ودقيقة للتعامل مع كمية الابتذال الحاصل.
البعض يصف ما يحدث بالتفاهة والتي للأسف تجد من
يتعاطى معها ويتقبلها ويحاول أن يقلدها ويشجع عليها، بينما في المقابل لا تجد
الأعمال والكتابات الجادة والمفيدة أي تجاوب أو انتشار كما يحدث في الجهة
المقابلة. والبعض يذهب إلى اعتبار أن السلطات صاحبة القرار والقادرة على تقييد تلك
التفاهات تتعامل مع الأمر على أنه مقبول وغير مؤذي أو أنه لا ينتج عنه تأثيرات
سلبية أو ضرر على أحد. ويرى هؤلاء تحديدا أن الوضع أصبح نوع من أنواع التواطؤ وغض
الطرف والرضا به. قد تبدو وجهة النظر هذه مبررة حين نسمع بها ف"لمن هم في
مواقع السلطة فإن الإنسان التافه هو الشخص المُعتاد الذي يستطيعون نقل تعليماتهم
من خلاله، بما يسمح بترسيخ نظامهم" 1.
ووفق رؤية تثبيت التفاهة – كما يقول د. آلان
دونو في كتابه نظام التفاهة – فإن الهدف النهائي لما يعرفه ب"نظام التفاهة"
يهدف إلى "إسباغ التفاهة على كل شيء. وأن الخطورة الحقيقية تكمن في "كون
هذه المهمة سهلة وممكنة التحقق بسلاسة" 2. ويلخص دونو الأمر في عبارته هذه: "يسعى
البعض لتخليد اسمه بأي شكل من الأشكال، أياً ما بلغ من فجاجة هذا الشكل أو سطحيته
بل وقبحه أحياناً"3، ولابد أن الكثيرين يرون أمثلة كثيرة على هذا السعي وكل
الخوف أن يؤول الحال إلى يصبح الأفراد مقسّمين ما بين "تافهين" يجدون من
يصفق لهم و "تافهين" يصفقون للفئة الأولى. غير أن المبشر في الأمر أننا
لا زلنا نجد مجموعة رافضة لهذه التفاهات، رغم أن هذه المجموعة – وإن كانت صامتة في
أغلب الوقت - تعاني وتقاوم كل أنواع الضغوطات وكل أشكال السخرية، ولا أعلم إلى مدى
ستظل صامدة أمام تيار جارف من الانحدار.
عادل الحمداني
مسقط – 15 نوفمبر 2022
------.
1- نظام التفاهة – د. آلان
دونو . ص83.
2- نظام التفاهة – د. آلان
دونو . ص59.
3- نظام التفاهة – د. آلان
دونو. ص 60.
تعليقات
إرسال تعليق