الزيــن ما يكمل ..

* كتبت هذا المقال أملا في نشره في إحدى الصحف لكن يبدو أني أخترت توقيتا خاطئا بعد نشر مقالة عن رحلتي إلى جنيف فاتهمت بأنني مصاب بداء الأنا .. وبحسب ما قيل ساعتها فإن محور ما أكتب هو عادل .. رغم أنني أكتب عن زيد وعبيد وخلفان ومرهون .. لكن يبدو أن الخطأ خطأي ولا ألوم أحد غير هذا ال/عـادل/..

قال لي /حسان/ ذات يوم " يا ابني أنت مش معقول" ؛؛ وقد أحسست من نبرة صوته عبر الهاتف انه منتشي بما كتبته في نصي الذي قدمته له والذي وصفته /هدى/ فيما بعد بانه يجمع بين القصة والمقالة وكأنها تقول إنني أشبه ذاك الذي يمزج في كتابته بين خطي الرقعة والنسخ ... /حسان/ ذلك اليوم كان منتشيا الى درجة انه رفعني الى العلا بعد ان وصفني بصفات لم أتصور ذات يوم ان أحدا سيقولها لي.. اخذ /حسان/ من الوقت قرابة الربع ساعة وهو يمدحني ؛؛ ولولا أنني إنسان واقعي اعرف نفسي أكثر من غيري ولا أتأثر كثيرا بعبارات المدح والذم لأصابني الغرور ولأصبحت مريضا بالأنا التي تصيب الكثيرين هذه الأيام ؛؛ والتي هي اشد فتكا من أنفلونزا الخنازير التي قامت عليها الدنيا ولم تقعد..
/حسان/ القى على مسامعي وجهة نظره عبر الهاتف وأكاد اجزم أنني لو كنت أمامه في تلك اللحظة العاطفية لاحتضنني .. عباراته تركت في نفسي انطباعا رائعا ؛؛ فان يمدحني شخص بمقام وخبرة /حسان/ فذلك في حد ذاته وسام اعتز به .. عباراته عبر الهاتف لم تكن الأخيرة ففي اليوم الذي التقينا فيه وكنت أودعه قبل ان يسافر لم يفته ان يمسك بشاربه ذو اللون الواحد ويقول "على هالشوارب لو ما صرت كاتب" ثم يضيف بكل ثقة "أنت مشروع كاتب كبير يا ابني" .. /حسان/ يقول إنني مشروع كاتب كبير ؛؛ اذا لابد ان أكون مشروع كاتب كبير .. ولكن كيف .. كيف لي ان أكون مشروع كاتب وكبير أيضا ؛؛ والأزمة العالمية اثرت على كل شي في هذا العالم بما فيه سوق الكتاب والصحفيين الذي هو من قبل بائر ولا مريدين له.. كيف لي ان أكون مشروع كاتب ؛؛ و"الكحة" غير مستحبة ؛؛ و"الحك" على الجلد يؤثر على البشرة ؛؛ و"القرص" على الإذن يؤدي الى الصمم ؛؛ وكل كلمة تفسر على انها محاولة لهدم البنيان الثلاثيني ؛؛ وكل جملة تؤول على انها انتقاص من قدر وعزيمة الاخرين.. كيف لي ان أصبح كاتبا وانا ملزم بحذف سطر حتى لا يحذف النص والصفحة بما فيها .. كيف لي ان أصبح كاتبا وانا استجدي الحظ ان يمنحني دقيقة من وقته .. كيف أصبح كاتبا كبيرا يا /حسان/ وأنا أفكر في "الريال" ؛؛ من أين آتي به ؛؛ وكيف احافظ عليه ؛؛ وأين ساصرفه فيما بعد.. كيف لي ان اصبح كاتبا وانا احفر بيديّ المجردتين في ارض الواقع المرير المؤلم .. الكتاب الكبار يا /حسان/ وحتى الصغار منهم يحتاجون الى من يدعمهم ويصقلهم وينمي مهاراتهم ويقف الى جانبهم حتى يقارعوا الآخرين .. الكتاب الكبار يا /حسان/ يحتاجون الى من يقدرهم.. وما يحدث قريبا مني ان الصغير يبقى صغيرا فنحن لا زلنا نؤمن بخصوصيتنا ؛؛ ونهجنا الخاص بنا .. ولا زلنا نردد "هذه هي الإمكانيات المتاحة" و "جود بالموجود" و "مشي حالك" ؛؛ ولو آمن من وصلوا الى الفضاء او من اخترعوا كل هذه الاختراعات العظيمة او من طوروا العلوم وغيرهم لو آمنوا بهذه العبارات وهذه الخصوصيات والنهج الخاص وغيرها من الخزعبلات لما فعلوا شيئا..

جاملتني /هدى/ ذات اتصال بقولها : "ما كنا نعرف انه عندك أسلوب أدبي" قبل ان تضيف ضاحكة "هذا اكتشاف حسانـــ...." ؛؛ أسلوب أدبي !! .. يا شيخة .. اذا كانت شهادة /حسان/ تهمني واعتز بها ؛ فان الشهادة الأخرى ل/هدى/ تهمني كذلك واعتز بها ؛؛ والحقيقة انه بيننا مسافة لا يستهان بها فانا في قعر عميق وهما بترتيب مختلف في قمة شاهقة.. مجاملة /هدى/ لابد لي ان أقابلها بقول معلومتين تجهلها كما يجهلها غيرها كذلك .. المعلومة الثانية يا /هدى/ انني اكتب لنفسي منذ فترة طويلة ؛؛ والمعلومة الأولى أنني كنت احد المشاركين في تأسيس صفحة الجامعة قبل نحو خمسة عشر عاما والتي كانت تصدر تحت عنوان "في رحاب الجامعة" ؛؛ والتي كان يصنع مادتها من الألف الى الياء طلاب الصحافة والإعلام بكلية الآداب – آنذاك – قبل ان تتزوج بالعلوم الاجتماعية ؛؛ تلك الصفحة كانت تذهب الى الحاضنة دون ان تمر على عيون ويد ومشرط /مبارك/ و/مبروك/ و/سالم/ و/مسلم/ و/رجب/ و/شعبان/ وغيرهم كما يحدث الآن ؛؛ في ذلك الوقت كان ثمة شخص يوجهني وتأثرت به كثيرا اسمه /عبدالله/ ؛؛ والذي يمتلك كاريزما جميلة ؛ ولا اعتقد ان احدا من المحيطين به لم يتأثر بها... في ذلك الوقت يا /هدى/ كان لي عمود أسبوعي أوقفته بملء إرادتي بعد ان حقق معي خمسة من موظفي الجامعة حول فحوى مقالة عن توفير وسائل نقل الطلاب بدعوى إنني شوهت سمعة الجامعة في المحافل الدولية ( !! ) .. في ذلك الوقت يا /هدى/ كنت اسمع من /عصام/ انني لو كنت في مصر لتدرجت حتى أصبح كاتبا قبل ان يتمنى لي /حسان/ ان اكون كبيرا ايضا..

/حسان/ هل تزرع في بيتك ورود او حتى عشبة عادية ؟؟ ؛؛ ان كنت تفعل ذلك ؛؛ هل ستنمو وردتك او عشبك بالطريقة السليمة لو لم تكن تهتم بها ؟؟ .. /هدى/ هل يتأثر طفلك عندما لا تهتمين به ؟؟ هل تعتقدين انه سيكون بحال أفضل بعيدا عن رعايتك واهتمامك ؟؟ .. ولماذا لا تهتمان بعشبكما وطفليكما ما دام الاثنان سيعودان بالنفع عليكما ؟؟ .. لماذا تفترضان ان العشب سوف تؤذي أصابعكما عندما تكبر ؟؟ ولماذا تفترضان ان الطفل سوف يكون عاقا بوالديه ؟؟ .. لماذا تستبقان الأحداث بتوقع الأسوأ ؛ طالما هناك إمكانية ان تصنعا الافضل؟؟..

أعود الى /حسان/ لأشكره على حسن ظنه في إنني مشروع كاتب ؛؛ وكبير أيضا .. ومع إنني أتمنى ان أكون عند حسن ظنه لكن علي ان اخبره أنني فاشل فيما يتعلق بالمشاريع ؛؛ فليس لدي القدرة على ابتلاع الصمت ؛؛ ومن بين أساسيات ان تصبح مشروعا ناجحا ان تمشي مع الخيل ؛؛ وأنا يا /حسان/ لا امشي مع الخيل ولا اركبها.. ومن أساسيات ان تصبح ناجحا ان تدير خدك الثاني لمن يصفع خدك الأول ؛؛ وعيبي أنني لا اسمح بحدوث ذلك وان حدث لا أدير خدي الآخر بل أرد الصاع صاعين ؛؛ لذالك بقيت على حالي طوال السنوات ألاثني عشر الماضية ؛؛ والآخرون حجزوا مقاعدهم في الصفوف الأمامية ؛؛ سواء كان ذلك عن جدارة واستحقاق او عن مجاملة ونفاق.. وأخيرا يا /حسان/ جرت العادة ان نقول عن الشيء الذي نتمنى ان يكون في حال أفضل مما هو عليه ؛؛ نقول بأسف وحزن شديدين مع هز الرأس يمينا ويسارا : "يا خسارة .. الزين ما يكمل"..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

متى تكرم وزارة الإعلام موظفيها سنويا ؟؟..

"بدون" عنوان

لا تضحك عليها ..