الله يرحم سليمان


"تصادف في حياتك أشخاصا تعتقد للوهلة الأولى أنهم مجانين .. لكنك ما تلبث مع الزمن أن تكتشف أنك كنت المجنون وهم أصحاب حكمة ونظرة ثاقبة في الحياة" بهذه العبارة بدأ حسين حديثه عن صدمته ؛ مضيفا "الله يرحم سليمان .. أول عبارة قالها لي عندما أخبرته أني توظفت في نفس الوزارة التي يعمل فيها : "ما الذي أتى بك إلى هنا" .. لم أكن أدرك سبب استنكاره هذا .. أوهمته أنني أحب العمل الذي عينت فيه وأنني سأبذل الغالي والنفيس من أجل أن أنجح في عملي"...
حسين حاله كحال الكثيرين يعيش على أوهام أن لكل مجتهد نصيب .. وأن الأرزاق تساق للعاملين المخلصين المجتهدين .. أي عبارة مواساة أو تبرير لما سيقوله سيكون أشبه بمحاولة الزوجة خداع زوجها .. يدرك أنها تخونه لكنها تملك المبرر لكل تساؤلاته بطريقة مقنعة إلى أبعد حد .. لا يهم ..
بعد حوالي عشرين سنة من العمل في الوحدة التي يعمل فيها حسين ؛ يكتشف أنه لم يفعل أكثر من تضيع الوقت في لا شيء .. ويدرك الآن أنه غير قادر على تعديل وضعه واللحاق بركب قطار فآته لأنه ببساطة لم يدرك قبل عشرين عاما لماذا قال له سليمان : " ما الذي أتي بك إلى هنا "..
يتذكر حسين جيدا عبارة قالها سليمان "لا تنخدع بما يقال لك من كلام عن الاجتهاد والإخلاص والمثابرة ولا تجعلهم يخدعوك بمعسول الكلام " قبل أن يضيف ضاحكا "افعل مثلي .. أنا هنا الآن وبعد قليل هناك .. والذي لا يعجبني من الأوامر أتجاهلها وأختلق الأعذار .. عندها فقط سوف تجد كل التقدير والاحترام".. ويضحك أكثر وهو يقول "إسالني أنا .. أنت لا تزال جديدا في هذا المكان"...
العزاء الوحيد الذي يكرره حسين على مسامع نفسه أنه ليس الوحيد الذي أضاع كل هذه السنين مخدوعا بمثاليات وقيم لم يعد لها مكان في كثير من الأماكن الرسمية والحياتية ؛ ومع ذلك يضع اللوم أو بعضه على نفسه فلم يجبره أحد على الصمت أو العيش جبانا طوال هذه المدة .. "والدي رباني على احترام الآخرين .. على الأنفة وعزة النفس .. على الأمانة .. على الإخلاص .. على كل الخصال الحميدة" يقول حسين .. " ليتني تعلمت كيف أكون منافقا " يضيف .. "أجل منافقا .. ألم يصور يوسف السباعي في روايته /أرض النفاق/ النفاق الاجتماعي.. من يستطيع أن يعيش في هذا الوقت بدون نفاق.. النفاق يا سيدي في كل مكان .. اكتشفت مؤخرا إنك إن لم تكن منافقا لن تكون شيئا يذكر "..
معرفتي بحسين لا تتجاوز السنوات الخمس الأخيرة لكنه للأمانة ينقصه الكثير كي يحظى بما يحظى به أقرانه .. أنه يعمل بصمت ولا يتباهى بما يقوم به .. أنه حريص على أداء ما يوكل إليه .. أنه يبدي رأيه ووجهة نظره بكل صراحة وصدق .. أنه لا يجامل المخطئ ولا يتجاوز إساءة المسيء .. أنه .. أنه .. على كل ذلك وغيرها لا يصلح أن يكون في وضع أفضل مما هو عليه ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

متى تكرم وزارة الإعلام موظفيها سنويا ؟؟..

"بدون" عنوان

لا تضحك عليها ..